المجالسة الرابعة
الإحسان
الإحسان لغة: ضدّ الإساءة
و يختلف معنى الإحسان اصطلاحا باختلاف السّياق الّذي يرد فيه، فإذا اقترن بالإيمان والإسلام كان المراد به: الإشارة إلى المراقبة وحسن الطّاعة، وقد فسّره النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بذلك عند ما سأله جبريل: ما الإحسان؟ فقال: «الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه فإن لم تكن تراه فإنّه يراك ..» أمّا إذا ورد «الإحسان» مطلقا فإنّ المراد به فعل ما هو حسن،
وقال المناويّ: الإحسان إسلام ظاهر، يقيمه إيمان باطن، يكمّله إحسان شهوديّ.
وقال الرّاغب: الإحسان: فعل ما ينبغي فعله من المعروف، وهو ضربان: أحدهما: الإنعام على الغير، والثّاني الإحسان في فعله وذلك إذا علم علما محمودا، وعمل عملا حسنا،
وقال الكفويّ: الإحسان: هو فعل (الإنسان) ما ينفع غيره بحيث يصير الغير حسنا به، كإطعام الجائع، أو يصير الفاعل به حسنا بنفسه، فعلى الأوّل: الهمزة في أحسن للتّعدية وعلى الثّاني للصّيرورة.[1]
حقيقة الإحسان:
فسّر النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم الإحسان حين سأله جبريل، صلوات اللّه وسلامه عليه، فقال: «هو أن تعبد اللّه كأنّك تراه، فإن لّم تكن تراه فإنّه يراك». أراد بالإحسان الإشارة إلى المراقبة وحسن الطّاعة؛ فإنّ من راقب اللّه أحسن عمله، وهو تفسير قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ (النحل/ 90). ولذلك عظّم اللّه ثواب أهل الإحسان، فقال تعالى: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة/ 195) وقال عزّ وجلّ: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (الرحمن/ 60) أي ما جزاء من أحسن في الدّنيا إلّا أن يحسن إليه في الآخرة.
وقال الفيروز اباديّ: الإحسان يقال على وجهين: أحدهما الإنعام على الغير. تقول: أحسن إلى فلان، والثّاني إحسان في فعله. وذلك إذا علم علما حسنا، أو عمل عملا حسنا. والإحسان أعمّ من الإنعام، وقال: الإحسان من أفضل منازل العبوديّة؛ لأنّه لبّ الإيمان وروحه وكماله. وجميع المنازل منطوية فيها، قال تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (الرحمن/ 60) وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:
«الإحسان أن تعبد اللّه كأنّك تراه». والإحسان يكون في القصد بتنقيته من شوائب الحظوظ، وتقويته بعزم لا يصحبه فتور، وبتصفيته من الأكدار الدّالّة على كدر قصده. ويكون الإحسان في الأحوال بمراعاتها وصونها غيرة عليها أن تحوّل[2]
الإحسان- إذن- وفي معنى عامّ: المعاملة بالحسنى ممّن لا يلزمه إلى من هو أهل لها. ذلك أنّ الحسن يعني: ما كان محبوبا عند المعامل به، وليس لازما لفاعله.
بين الحسنة والإحسان:
قال الفيروزاباديّ: الحسنة يعبّر بها عن كلّ ما يسرّ من نعمة تنال الإنسان في نفسه وبدنه وأحواله، قال تعالى: وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ (النساء/ 78)، أي خصب وسعة وظفر، أمّا الإحسان فإنّه يقال على وجهين: أحدهما الإنعام على الغير، والثّاني: الإحسان في الفعل أو العمل، وعلى هذا قول الإمام عليّ- كرّم اللّه وجهه ورضي عنه-: «النّاس أبناء ما يحسنون» أي منسوبون إلى ما يعملونه من الأفعال الحسنة «1». والعلاقة بين الأمرين واضحة لأنّ من يحسن إلى نفسه بإخلاص التّوحيد والعبادة، أو إلى غيره بالقول أو الفعل فإنّ ذلك يثمر له الحسنى وهي الجنّة، فالحسنة والإحسان كلاهما مأخوذان من الحسن الّذي من شأنه أن يسرّ من يتحلّى به في الدّنيا والآخرة.
فمن معاني الحسنة:
1- التّوحيد، وثمرته الجنّة، قال تعالى: هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (الرحمن/ 60). قال عكرمة: (المعنى) هل جزاء من قال لا إله إلّا اللّه إلّا الجنّة؟ وقال ابن زيد: هل جزاء من أحسن في الدّنيا إلّا أن يحسن إليه في الآخرة[3]
2- ومن معانيها: النّصر والغنيمة، كما في قوله تعالى: إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ (آل عمران/ 120)، وهذه ثمرة الإحسان المشار إليه في قوله تعالى: وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (البقرة/ 195).
3- ومن معانيها: المطر والخصب، وهي ثمرة من ثمرات إحسان اللّه على عباده وتفضّله عليهم، وذلك ما أشار إليه المولى عزّ وجلّ وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ (القصص/ 77).
4- ومن معانيها: العافية، كما في قوله تعالى:
وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ (الرعد/ 6)، وهذه كسابقتها من ثمار إحسان اللّه تعالى على عباده برّهم وفاجرهم، مؤمنهم وكافرهم.
5- ومن معانيها: قول المعروف، وذلك كما في قوله تعالى: وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ... فصلت/ 34)، وهذه ثمرة الإحسان بمعنى الفضل والعفو عن المسيء مع المقدرة على عقوبته ولو بمثل ما فعل، وهذا هو الإحسان المشار إليه في قوله تعالى: وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (آل عمران/ 134).
6- ومن معانيها: فعل الخيرات، كما في قوله تعالى: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها (الأنعام/ 160)، وهذه ثمرة الإحسان إلى النّفس بإعطائها ما وعد اللّه به المحسنين في قوله: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ (الإسراء/ 7).
وقوله سبحانه: إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ* آخِذِينَ ما آتاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كانُوا قَبْلَ ذلِكَمُحْسِنِينَ المعنى- كما ورد عن ابن عبّاس: كانوا محسنين في أعمالهم[4]
من هذا يتّضح الارتباط الكامل والعلاقة الجوهريّة بين الإحسان بمعانيه كافّة والحسنة في كلّ استخداماتها في القرآن الكريم[5]. فإذا كان الإحسان شجرة فالحسنة ثمرته، ولمّا كانت الشّجرة طيّبة كانت ثمرتها حلوة المذاق حسنة المنظر في الدّنيا والآخرة[6].
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (النحل : 90)
(عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «يا أبا هريرة، كن ورعا، تكن أعبد النّاس، وكن قنعا تكن أشكر النّاس. وأحبّ للنّاس ما تحبّ لنفسك تكن مؤمنا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وأقلّ الضّحك فإنّ كثرة الضّحك تميت القلب»)[7]
(عن الحسن قال: «ليس الإيمان بالتّحلّي ولا بالتّمنّي، ولكن ما وقر في القلوب وصدّقته الأعمال، من قال حسنا، وعمل غير صالح، ردّه اللّه عليه»)[8]
sudahkah kita punya sifat Ihsan?
BalasHapus