المجالسة الثامنة
العبادة
العبادة لغة:
مصدر عبد يعبد عبادة أي أطاع وهذا المصدر مأخوذ من مادّة (ع ب د) الّتي تدلّ على معنيين: الأوّل لين وذلّ، والآخر شدّة وغلظ[1]
واصطلاحا:
اسم جامع لكلّ ما يحبّه اللّه ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظّاهرة.
وقيل: هي اسم يجمع كمال الحبّ للّه ونهايته، وكمال الذّلّ للّه ونهايته.
وقيل: عبادة اللّه: طاعته بفعل المأمور وترك المحذور[2]
وقال المناويّ: العبادة فعل المكلّف على خلاف هوى نفسه تعظيما لربّه. وقيل: هي الأفعال الواقعة على نهاية ما يمكن من التّذلّل والخضوع المتجاوز لتذلّل بعض العباد لبعض، ولذلك اختصّت بالرّبّ، وهي أخصّ من العبوديّة الّتي تعني مطلق التّذلّل[3]
الفرق بين الطاعة والعبادة:
قال أبو هلال العسكريّ: الفرق بين الطّاعة والعبادة: أنّ العبادة غاية الخضوع، ولا تستحقّ إلّا بغاية الإنعام، ولهذا لا يجوز أن يعبد غير اللّه تعالى، ولا تكون العبادة إلّا بمعرفة المعبود، أمّا الطّاعة فهي الفعل الواقع على حسب إرادة المريد متى كان المريد أعلى رتبة ممّن يفعل ذلك وتكون للخالق، والمخلوق، كما أنّ الطّاعة لا يصحبها قصد الاتّباع، كالإنسان يكون مطيعا للشّيطان وإن لم يقصد أن يطيعه ولكنّه اتّبع دعاءه وإرادته[4]
قال الرّاغب[5]: العبادة ضربان:
1- عبادة بالتّسخير: وهي للإنسان والحيوانات والنّبات.
2- عبادة بالاختيار: وهي لذوي النّطق، وهي المأمور بها في قوله سبحانه يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ (البقرة/ 21).
من معاني كلمة «العبادة» في القرآن الكريم:
ذكر أهل التّفسير أنّ العبادة في القرآن على وجهين: أحدهما: التّوحيد. ومنه قوله تعالى في سورة النّساء: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً (النساء/ 36) أي وحّدوه.
والثّاني: الطّاعة. ومنه قوله تعالى في يس: أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطانَ (يس/ 60)، وفي سبأ: أَهؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كانُوا يَعْبُدُونَ (سبأ/ 40)[6]
أركان العبادة:
ويقول ابن القيّم: «العبادة تجمع أصلين: غاية الحبّ وغاية الذّلّ والخضوع ... فمن أحببته ولم تكن خاضعا له لم تكن عابدا له، ومن خضعت له بلا محبّة لم تكن عابدا له حتّى تكون محبّا خاضعا. ومن ههنا كان المنكرون محبّة العباد لربّهم منكرين حقيقة العبوديّة والمنكرون لكونه محبوبا لهم- بل هو غاية مطلوبهم ووجهه الأعلى نهاية بغيتهم- منكرون لكونه إلها، وإن أقرّوا بكونه ربّا للعالمين وخالقا لهم، فهذا الإقرار غاية توحيدهم، وهو توحيد الرّبوبيّة الّذي اعترف به مشركو العرب ولم يخرجوا به عن الشّرك[7] «2».
وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (الذاريات : 56)
(عن أبي موسى الأشعريّ- رضي اللّه عنه- قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إذا مرض العبد أو سافر كتب له مثل ما كان يعمل مقيما صحيحا»)[8]
(عن أبي هريرة- رضي اللّه عنه- أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال: «إنّ حسن الظّنّ باللّه تعالى من حسن العبادة»[9])
(كتب أبو الدّرداء إلى مسلمة بن مخلد: «أمّا بعد: فإنّ العبد إذا عمل بطاعة اللّه أحبّه اللّه، فإذا أحبّه اللّه، حبّبه إلى خلقه، وإنّ العبد إذا عمل بمعصية اللّه أبغضه اللّه، فإذا أبغضه اللّه بغّضه إلى خلقه»)[10]* «13».
[1] من هذا الأصل قولهم: العبدة وهي القوّة والصلابة، والعبد وهو الأنفة والحمية انظر في هذا: مقاييس اللغة لابن فارس (4/ 206)، ولسان العرب (3/ 275).
[9] ذكره ابن الأثير في جامع الأصول (11/ 693)، وقال محققه: رواه الترمذي رقم (3604) في الدعوات وأبو داود (4993) فى الأدب وأحمد في المسند 2/ 297 وهو حديث حسن.
Tidak ada komentar:
Posting Komentar